صابنها
محمد عبد الماجد
الدعيتر.. كان اللغة الثانية في البلاد
كُنْتُ أنتظر ابني «عمر» وهو في مرحلة الأساس، عندما يعود من المدرسة لأسأله: شغال كيف؟ فهو يجلس في هذه الأيام للامتحانات. كنتُ أتفقد هدهد أجوبته، وأتحسس إجاباته غير الصحيحة في الامتحان. اليوم عاد «عمر» من المدرسة، لم أسأله وربما لم أحسَّ بعودته، رغم أنه عائدٌ من امتحان الرياضيات، مما جعله يقف أمامي بعد أن حاول أن يلفت انتباهي، فكان يمشي ويجيء «فيني» دون أن أنتبه له، ليستفزه مني ذلك فيقول لي: «يا أبوي أنت الليلة مالك؟».. قلتُ له ما في حاجة، أو ربما لم أقل له شيئاً؛ فأنا عندما يرحل مبدعٌ أو قريبٌ أو أحد المعارف، أُصَابُ بشيءٍ من الذهول، رغم أن الموت حق، لكنَّ القلب ليحزن، وفي مثل هذه الحالات أدخل في حالة شللٍ تام أحتاج بعده لفترة لأستوعب ما حدث ولأعود للخدمة من جديد، وأرجع إلى استديوهاتي الرئيسية بعد الخلل الذي حدث من المصدر.
وأنا أعلم بخبر رحيل مختار بخيت، حدث لي كل ذلك… تبدو الأحزان مثل عفاريت في شارعٍ مكفهر، تصدر أشجاره أصواتاً غريبة، فتزيد مخاوفك. قلوبنا ما زالت أرضاً بكراً على الأحزان، رغم أن الأحزان تحتل قلوبنا، إلا أننا ننكر عليها ذلك، ونتغابى فيها «العرفة». في هذه الحرب بطاقاتنا الشخصية يحررها الحزن، لذا فإن عيوننا في تلك البطاقات غائرة مثل بدل الفاقد.. إننا نحتاج بعد هذه الحرب بدل فاقد للعيون، وبدل فاقد للقلوب، وبدل فاقد للكلى، ليت الفقد وقف على البيوت والعربات والموبايلات والبطاقات الشخصية. لقد فقدنا كل شيء، بما في ذلك اتصال كنتُ أجريه في كل مساء.. فقدتُ التلفون وفقدتُ الشريحة، وفقدتُ الشخص الذي كنتُ أهاتفه، فلم يعد للتلفون ولا الشريحة قيمة بعده.
فجأةً انتبهتُ إلى أني لم أسأل «عمر» عن الامتحان، وأحببتُ أن لا أفسد عليه فرحة العودة من الامتحان، فدخلتُ عليه في الغرفة، وجدته قد نام فعزَّ عليَّ أن أتركه دون أن أسأله، فأيقظته، وقلتُ له كما درجت العادة: «شغال كيف؟» وكأني أكمل واجبي معه، فأنا لا أذاكر معه، لكن أقوم بالسؤال له بعد الامتحان على أكمل وجه. هبَّ مَهْجُوماً، وقال لي: «أنا من قبيل ما بقول ليك في شنو؟» وكأنه يحاسبني على إيقاظي له، ونحن في زمن يحاسب فيه الأبناء الآباء على كل هفوةٍ منهم وإن كانوا أطفالاً. تركته وخرجت، وأدركتُ أني كان يجب عليَّ أن لا أوقظه لأسأله عن الامتحان، لكن عندما تفقد عزيزاً، تتصرف هكذا، وتصبح خارج السيطرة.
مختار بخيت «الدعيتر» مات، وقفتُ أمام عددٍ من «البوستات»، أبحث عن أي «بوست» ينفي وفاته ويقول لنا إن خبر وفاته إشاعة… ربما استغل البعض مرضه ووعكته الأخيرة فبحثوا عن ضجةٍ عبر هذا الخبر المؤلم. شاهدتُ مقطع الفيديو الأخير له، بسديريته الأنيقة.. في العادة كان يلبس سديرياً مزركشاً، لكنه قد يكون قصد وداعنا فلبسها في هذا الظهور الأخير «سادة»، وجلبابه السمني، وطاقيته المنحدرة من أصولنا السودانية العريقة. كان يبدو مختار كما نعرفه، مختار ذاته بابتسامته المشعة، وكلماته التي تدخل إلى القلوب مباشرة، كان مختار هو مختار وكأنه يقف على خشبة مسرحٍ ليضحكنا، كان بذلك الرضا والتلقائية حتى وهو خارجٌ من المستشفى الألماني في السعودية بعد إجراء عمليةٍ خطيرة.
نحن خارج الوطن لا نعرف أن نعيش، نحن خارج الوطن فقط نعرف أن نموت. الأحياء منا يموتون كل لحظة، ليس بالضرورة أن يعلنوا عن ذلك، فالموت الصامت يبقى صامتاً.
في كفيه الاثنتين كانت مثبتةً «فراشتان» من أجل أن يتعاطى من خلالهما الحقن و«الدربات»، وعلى وجهه ابتسامة الرضا التي نعرفها عنه، تحدث في مقطع الفيديو ليشكر الناس وليطمئنهم على صحته، كان مشفقاً على الناس من وعكته، ختم حديثه بأن قال: «إن شاء الله ما تشوفوا شينة». الإنسان الطيب لا تحتاج إلى عناء جهدٍ لتكتشف طيبته. المبدع السوداني هو طيبٌ بالفطرة، فهم يستمدون إبداعهم من طيبتهم. من بعد هذا الفيديو الذي طمأن فيه الشعب السوداني رحل بخيت بعد أقل من 72 ساعة من تسجيله لذلك الفيديو. كأنه خرج لكي يودعهم. والسعداء هم من يُتاح لهم استوداع الناس قبل رحيلهم الأخير.
أول مرة أشاهد فيها مختار بخيت، كان ذلك في بدايات هذه الألفية في مدينة بورتسودان عندما جاء إليها في أحد الأعياد ضمن فرقة الأستاذ جمال حسن سعيد لتقديم مسرحية «أبو الدردوق» على خشبة مسرح بورتسودان العتيق، أتذكر ذلك اليوم جداً، ولا أنسى تدافع الناس وتزاحمهم لمشاهدة المسرحية. لا أنسى أن الناس ضحكوا في تلك الليلة ضحكاً بإسراف حتى قال لهم البحر الأحمر والمسرحُ على ضفافه: «بتضحكوا ليه»، ثم ضحك البحر معهم نشوةً.. فقلنا «والبحر بيضحك ليه؟». ومع نجومية جمال حسن سعيد ومع الكاريزما التي يمتلكها على خشبة المسرح، إلا أن الناس خرجوا من هذه المسرحية وهم يتحدثون عن كوميديان قادم بقوة اسمه مختار بخيت، ترك مختار أثراً كبيراً على الناس وانطلق بعد هذه المسرحية مع محمد عبد الله «كابو» يملآن الأرض بهجةً ومسرةً.
ومن فضل الله علينا في مجالنا الإعلامي هذا أن من نحبهم، نلتقي بهم، ونجلس إليهم ونحاورهم. مختار بخيت حاورته مرتين بفوارق زمنية في إذاعة «هلا 96»، كثيرٌ من النجوم ضبط مواعيدهم والالتزام بها أمرٌ خارج سيطرتهم، وكثيراً ما يعتذرون حتى بعد أن تدخل إلى الاستديو وأنت على الهواء، وعليك أن تطارد المبدع إذا أردت أن تحاوره، سوف يعتذر لك عشرات المرات، لكن عليك أن تعلم أن هذا سلوكٌ إبداعي متفقٌ عليه. مختار بخيت كان غير كل المبدعين، ملتزماً في مواعيده، وحريصاً على أن يقدم صورةً للمبدع الملتزم والذي يضع لنفسه برنامجاً ويمشي عن طريق خطة. جاء مختار بخيت لاستديوهات الإذاعة في شارع النيل قبل الميعاد، وجلس في الاستقبال بتواضعٍ شديدٍ ينتظر موعده، عندما وجدته في الاستقبال، قلتُ له: «يا أستاذ كان تدخل أو تدينا خبر بوصولك»، فقال لي وهو ينظر للساعة: «لسه ميعادنا باقي ليهُ نص ساعة».
لم يكن مختار بخيت مبدعاً عشوائياً، كان فناناً ملتزماً، لذلك استطاع أن يصل وأن يقدم شيئاً مختلفاً وأن يضع اسمه بين الكبار في خارطة المسرح السوداني. مختار بخيت كان مؤسسةً شاملة، «عارف هو بعمل في شنو؟» وماذا عليه أن يقدم وما هو دوره… كان فناناً «ماشي زي الساعة»، الموضوع عنده ليس صدفةً ولا هو مجرد محاولات. كان مختار بخيت فنان كوميدي جاد جداً في حياته وفي الكوميديا التي يقدمها. عندما حاورته إذاعياً، اكتشفتُ عصامية هذا الفنان الذي أسس برجه الإبداعي طوبةً طوبة وخطَّ لنفسه خطواتٍ مشى عليها ووصل عن طريقها للناس. الذي أذكره من ذلك الحوار هو البناء الأسري الجميل الذي وضعه مختار بخيت لنفسه ولأسرته، حدثني عن زوجته وعن أولاده بشكلٍ فيه نضوج ومدرسة ووعي عظيم.
مختار بخيت كان «زول فاهم» وكان عبقرياً، عرف كيف ينتهج في الدراما السودانية درباً خاصاً به، تميز فيه، قدّم إنسان الغرب الجميل بعفويته وطيبته التي نعرف، ومع المفارقات التي تُبنى عليها الدراما، إلا أن مختار بخيت بعبقريةٍ، قدّم شخصية «الدعيتر» وأجاد في فرضها على الناس حتى أصبحت موسماً رمضانياً لا يمكن أن تغيب عن مائدة رمضان، «الدعيتر» كان مثله مثل برنامج «أغاني وأغاني»، أمرٌ لا بد منه في شهر رمضان المبارك على الفضائيات السودانية. «دكان الدعيتر» لا بد منه في رمضان. ورغم بساطة «الدعيتر» والسخرية من بعض المواقف التي يقع فيها إنسان الريف في الخرطوم لم يغضب «الدعيتر» أحداً، فقد رحب أهلنا في الغرب بهذه الشخصية التي تعكس شيئاً من واقعنا السوداني.
ثقافات الهامش لا تجد حظها في التداول والانتشار ويخاف الكثير من المبدعين أن يتناولها، لأننا ما زلنا نعاني من عصبية القبيلة، مختار بخيت من خلال «الدعيتر» قدّم لنا ثقافةً وإبداعاً مسكوتاً عنه، أحبه أهل الغرب وهو يتحدث بلهجتهم ومفرداتهم في المسرح والإذاعة والتلفزيون، أحبوه لأنه قدّم ذلك بحب، بعيداً عن العنصرية، رغم أنه قدّم للناس أخطر ملف يمكن أن يتحدث عنه مبدع. لقد أصبح «الدعيتر» بلهجته الجميلة اللغة الثانية في البلاد، أذكر أيام ألبومات الكاسيت، الكاسيت الذي أخرجه «الدعيتر» مع آخرين وحقق انتشاراً واسعاً، نافس به شرائط الكاسيت الغنائية لمحمد وردي وكمال ترباس ومحمود عبد العزيز وزيدان وفرفور.
الآن أرجع إلى سيرة مختار بخيت وأقول لماذا لم نقل له ذلك؟ ولماذا لم نشعره بالعمل العظيم الذي كان يقوم به؟ كان علينا أن نشكره وندعمه في إبداعه هذا، وكان على الدولة أن تتبنى مثل هذه الثقافات وتلك المشاريع التي تزيد من وحدتنا وتعمق من قوميتنا. إن يفرض مختار بخيت أدب وثقافة ولهجة الهامش في قلب الخرطوم، فتلك عبقرية تُحسب له.
في الشمال وفي الشرق وفي الجنوب هنالك ثقافات وقضايا يجب أن تُتناول إعلامياً وإبداعياً، علينا أن نقدم ثقافات الهامش ولا نخجل منها، كما فعل مختار بخيت في «الدعيتر» ووجد الاستحسان من الجميع.
تخيل أن مشروعاً قومياً مثل مشروع «الدعيتر» كان يقوم به مختار بخيت لوحده، دون مساعدةٍ من الدولة أو الإذاعة أو التلفزيون، هذا المشروع القومي كان مشروع فرد، سهر واجتهد فيه مختار بخيت حتى فرضه على كل الناس في مائدة رمضان وأصبح من الوجبات الجميلة والحلوة التي ينتظرها الناس على الإفطار. «الدعيتر» أصبح ثقافة عامة، وتتجلى عظمة مختار بخيت في أنه انتهج لنفسه أسلوباً خاصاً به… لقد فرض علينا أسلوبه الخاص حتى أصبح أسلوباً عاماً. «الدعيتر» أصبح حالة. هذا العمل العظيم وذلك المجهود الكبير الذي كان يقوم به مختار بخيت كان من الطبيعي أن ينتهي به إلى إضعاف عضلات القلب، فقد أنهكت عضلاته حتى توقفت عن العمل. لكن الحمد لله أن مختار بخيت رحل بعد أن أوصل رسالته، فهو قد قال كلمته ورحل. «دكان الدعيتر» هو دكان في كل «حلة»، بنفس التفاصيل والمواضيع.
ما قدّمه مختار بخيت فشلت كل أجهزة الدولة أن تعكسه، وأبناء غرب السودان الحبيب عبر شخصية «الدعيتر» التي قدمها مختار بخيت «ود أم درمان»، هم معنا في كل تفاصيل حياتنا.. معنا في كل خطواتنا.. والسودان هو الدولة الوحيدة التي تجد شمالها في جنوبها وجنوبها في شمالها، وغربها في شرقها، وشرقها في غربها، وهامشها في مركزها ومركزها في هامشها. أتحدى أن تكون هنالك دولة في العالم بهذه التركيبة، لذلك لن ينجح من يحاول أن يزرع بين أبناء الوطن الواحد فتنة العنصرية وصراع المركز والهامش. هذا هو السودان وطنٌ واحد، يسع الجميع، سوف يبقى هكذا وسيظل هكذا وسنقاتل من أجل هذا الفهم لا من أجل التفرقة والعنصرية والشرذمة.
حربنا الحقيقية ضد كل من يحاول أن يزرع الفتنة بين أبناء الوطن الواحد.
اللهم يا كريم، ارحم عبدك مختار بخيت وأحسن إليه وتولَّه وأدخله جنةً عرضها السموات والأرض.
….
متاريس
في الأيام الماضية رحل الزميل مختار سعد، المتفق على أخلاقه الحميدة، وعشرته الجميلة.
ورحل لاعب الموردة السابق وأحد مناراتها في العمل العام علي سيد أحمد.
ورحل في القاهرة زميلنا خالد أحمد عبد الحفيظ فكانت أحزاننا أكبر من أن تُحتمل أو أن نكتب عنها. خالد عبد الحفيظ آخر محطاته قبل الحرب كانت في صحيفة «الوفاق»… وهو قد كان يعمل فيها منذ زمن الشهيد محمد طه محمد أحمد. نسكت عن ذلك الوجع، ولكن حتماً سنعود لنكتب عنهم بعد تجاوز صدمة الرحيل المر.
ولا أنسى التشكيلي عمار عبد الوهاب، الذي رحل قبل أيام وعلمت بذلك الآن. اللهم ارحمهم جميعاً وأدخلهم فسيح جناتك، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
…
ترس أخير: رحل مختار بخيت في السعودية ورحل خالد عبد الحفيظ في القاهرة وهكذا هم أبناء وطني فرقت بينهم الحرب، قبل أن يفرق بينهم الموت.



